حسن حسن زاده آملى

41

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

وهو يأتنا ليست إلّا ملكاتنا العلمية والعملية ، فما لم يستحكم ملكاتنا لم يتمّ تخمير ذواتنا ؛ والإنسان يتحد وجودا بتلك الملكات ، ويتمّ بها ؛ فإن الأمر هو اتحاد العلم والعالم والمعلوم واتحاد العمل والعامل والمعمول ، وأن صورة كل انسان في الآخرة نتيجة عمله وغاية فعله في الدنيا ، وليس إلّا ؛ ولا يتم ما أشرنا إليه إلّا بمعرفة النفس . ولعمري ان معرفتها قطب جميع المعارف . وقد أجاد الغزالي بقوله : « تقرير النفس وهل هي باقية أم لا كالقطب لسائر العلوم ، وله يجدّ المجتهدون ويعمل العاملون ؛ ولا فائدة أعظم منه فإن نبّوة الأنبياء والثواب والعقاب والجنّة والنار وسائر شؤون الدنيا والآخرة المأخوذة عن الرسل لا تثبت متى أبطلت هذه المسألة فإن النفس إذا لم يكن لها بقاء فجميع ما أخبرنا به أو طمعنا فيه باطل ؛ وبحسب ما نثق به من هذه المسئلة نجتهد ، وبحسب ما نغيب منها نغتر . وبهذه المسألة كفر الزنادقة ، فأنّهم زعموا أن حقيقة الإنسان مزاج معتدل كالنبات متى اعتدلت قواه بقي ، ومتى غلب عليه حرّ أو برد فسد ودثر ثم لا يرتجى بعد ذلك موتا ولا حياة ولا نشورا ، فاستخفّوا بالخالق والخلق ، واستهانوا برسل الحق ، فهذا أهمّ المعلومات مطلقا » . « 1 » وقد تصدى حكمائنا العارفون بغايتها القصوى لتصنيف كتب ورسائل في معرفتها ، وبيان ما ينبغي لها أن تتأدب بها حتى تحوز ما تفوز بها . فقد جعلوا في صحفهم النورية بابا بل كتابا فيها ، بل دوّنوا رسائل على حدة في معرفتها ، واعتنوا غاية الاعتناء بها لأن معرفتها باب كل خير ومدخل كل معرفة . والرسائل المصنوعة في معرفة النفس أكثر من أن تحصى وقد عددنا عدة منها في سائر رسائلنا . وذلك لاهتمام الآلهيين من الحكماء في شأن النفس ردّا على المتوغلين في ظلمات الأوهام الموهونة ، والخيالات الواهية ، والتسويلات الشيطانية ؛ وهم الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهوائهم الكاسدة الفائلة القائلة بأنّ الإنسان ليس إلا هذه البنية العنصرية الداثرة البائدة فإذا تلاشت بطلت ذات الإنسان برمّتها فلا يبقى منه ما يكون له حشر ، ومعاد ، وجزاء ، وثواب ، وعقاب . ولم يعلموا أن الإماتة ليست باعدام ، وإفناء ، وأن الموت ليس بعدم وفناء بل هو رجوع كل شيء إلى أصله ، وعود كل صورة إلى حقيقتها ، وارتقاء الانسان إلى بارئه المتوفي ايّاه ؛ وأن الانسان حيّ ابديّ لا يموت إلّا باذن اللّه - جلّ شأنه - ؛ وأن النفس الناطقة الإنسانية مظهر مفطرها لا تأخذها سنة ولا نوم ، ولا يعرضها موت ولا فناء . وليس

--> ( 1 ) . من شرح قصيدة ابن سينا للمناوي ، طبع مصر ص 84 .